أولى المشرع الجنائي اهتماماً بالغاً بجرائم التعرض للغير وانتهاك الحرمات، وجاءت التعديلات التشريعية الأخيرة في القوانين العقابية لتضرب بيد من حديد على كل من يرتكب هذه الأفعال. فلم يعد القانون يتعامل مع هذه التصرفات باعتبارها مخالفات بسيطة، بل تم تحويلها في كثير من الحالات إلى جنايات تستوجب السجن المشدد.
في هذا المقال، نوضح الأركان القانونية التي تبنى عليها قضايا التحرش، والفرق بين صوره المختلفة، بالإضافة إلى الوسائل القانونية المعتمدة لإثبات الواقعة أمام جهات التحقيق.
التصنيف القانوني والفرق بين عقوبة التحرش اللفظي والفعلي
يفرق القانون بوضوح بين الوسائل المستخدمة في ارتكاب الجريمة، وتتدرج العقوبة بحسب جسامة الفعل وظروف ارتكابه على النحو التالي:
- التعرض للغير في مكان عام أو خاص: تشمل كل من تعرض للغير بإشارات أو أقوال أو أفعال تحمل إيحاءات جنسية أو إباحية، سواء تم ذلك عبر وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية أو الإنترنت، وتكون عقوبتها الحبس والغرامة المالية المغلظة.
- جناية التحرش وتحويلها من جنحة: مشدد المشرع العقوبة لتصبح السجن المشدد إذا ارتكب الفعل بقصد الحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية (ابتزاز جنسي)، أو إذا كان الفاعل له سلطة وظيفية أو أسرية على المجني عليه، أو إذا تم ارتكاب الجريمة من شخصين أو أكثر أو كان أحدهما يحمل سلاحاً.
- التحرش في مكان العمل: أفرد القانون نصوصاً صارمة لحماية بيئة العمل، فإذا وقع الفعل من صاحب العمل أو أحد الرؤساء مستغلاً سلطته ونفوذه للضغط على الموظف أو العامل، فإن العقوبة تصل إلى السجن المشدد لضمان بيئة عمل آمنة ومستقرة.
الوسائل والأدلة المعتمدة قانوناً في إثبات واقعة التحرش
بسبب طبيعة هذه الجرائم التي قد تحدث أحياناً في غياب الشهود، فإن محكمة الجنايات تعتمد على عقيدتها والعديد من الأدلة الفنية والقولية لإثبات الجريمة، ومنها:
- شهادة الشهود: رؤية شهود العيان للواقعة وقت حدوثها تعد دليلاً قاطعاً يدعم أقوال المجني عليه في التحقيقات.
- الأدلة الرقمية والتكنولوجية: تشمل التسجيلات الصوتية، ومقاطع الفيديو التفسيرية، وكاميرات المراقبة المحيطة بمكان الواقعة، بالإضافة إلى الرسائل الإلكترونية عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.
- التحريات الأمنية: تلعب تحريات رجال المباحث دوراً جوهرياً في ترجيح كفة الحقيقة وتأكيد جدية البلاغ وقصد المتهم.
- الإقرار أو الاعتراف: اعتراف المتهم في محضر الضبط أو أمام النيابة العامة ينهي النزاع ويعد سيد الأدلة.
الدفوع القانونية الجوهرية في قضايا التعرض والتحرش
في المقابل، كفل القانون للمتهم ضمانات الدفاع الكاملة لضمان عدم كيد الاتهامات أو الزج ببرياء في غياهب السجون بناءً على ادعاءات مرسلة. ومن أبرز الدفوع التي يستند إليها الدفاع:
- الدفع بكيدية الاتهام وتلفيقه لوجود خصومة سابقة أو نزاعات مالية أو شخصية بين الطرفين.
- الدفع بالتراخي في الإبلاغ وعدم منطقية الرواية وفقاً لظروف الزمان والمكان.
- الدفع بتناقض أقوال المجني عليه في محاضر الشرطة مع أقواله أمام النيابة العامة.
- الدفع بانتفاء القصد الجنائي لعدم اتجاه نية المتهم إلى طلب منفعة جنسية أو إهانة المجني عليه، كأن يكون الفعل مجرد تدافع طبيعي في وسائل النقل المزدحمة.
إن قضايا العرض والسمعة تمس صميم الكرامة الإنسانية والاستقرار المجتمعي، ولذلك واجهها المشرع بحسم وتشديد غير مسبوق. وسواء كان الهدف هو إثبات الواقعة بالوسائل الرقمية وكاميرات المراقبة للقصاص، أو تفنيد الاتهامات الكيدية ومواجهة التلفيق بالأدلة القولية، فإن المسار القانوني المنضبط هو الطريق الوحيد لظهور الحقيقة وحماية الحقوق.

